عمان – في تجربة توثيقية تعد الأولى من نوعها في تاريخ العمل النقابي الأردني، يضع رئيس النقابة العامة للعاملين في صناعة الغزل والنسيج والألبسة فتح الله العمراني تجربته النقابية في كتاب حمل عنوان (رحلة نقابي) مقدماً مذكرات شخصية تتقاطع مع محطات مهمة من تاريخ الحركة العمالية الأردنية وتطور العمل النقابي وقضايا العمال.
ويحمل الكتاب، الذي يأتي في صيغة مذكرات نقابية، أهمية تتجاوز السيرة الشخصية لمؤلفه، باعتباره شهادة من داخل الحركة العمالية، تسجل جانباً من مسيرة نقابي أمضى سنوات طويلة في العمل النقابي، وعاصر خلالها تحولات شهدها سوق العمل والقطاع الصناعي والعلاقات بين العمال وأصحاب العمل، إلى جانب تطور أدوات العمل النقابي وأولوياته.
وتكمن خصوصية (رحلة نقابي) في أن العمراني اختار أن يوثق تجربته بنفسه، في وقت لا تزال فيه جوانب واسعة من تاريخ الحركة العمالية الأردنية بحاجة إلى التوثيق من خلال شهادات القيادات النقابية والعمالية الذين عايشوا مراحلها المختلفة.
وتشكل المذكرات، في هذا السياق، مادة يمكن أن ترفد المكتبة النقابية الأردنية، لأنها لا تتناول العمل النقابي بوصفه إطاراً تنظيمياً فقط، وإنما تقترب من تفاصيل التجربة اليومية للنقابي، وما يرافقها من لقاءات ومفاوضات وتحديات ومواقف وقضايا تتصل مباشرة بحياة العمال وحقوقهم وظروف عملهم.
ويستعيد العمراني في الكتاب جانباً من مسيرته النقابية، وما رافقها من ملفات وقضايا ارتبطت بقطاع الغزل والنسيج والألبسة، وهو قطاع له حضور تاريخي في الصناعة الأردنية وفي سوق العمل، وشهد خلال العقود الماضية تغيرات كبيرة في طبيعة العمالة والإنتاج والاستثمار وعلاقات العمل.
وتشير مصادر توثيقية إلى أن النقابة العامة للعاملين في الغزل والنسيج والألبسة تأسست العام 1954، فيما تظهر سجلات ومصادر صحفية امتداد حضور العمراني في العمل النقابي لسنوات طويلة، ومشاركته في ملفات تتصل بالمفاوضات الجماعية وتحسين شروط العمل وتعزيز دور النقابة.
كما ارتبط نشاط العمراني بملفات تتعلق بالعمالة الوافدة، وتطوير العلاقة بين اللجان النقابية والنقابة، وتنظيم ورش العمل والتوعية بحقوق العمال، وهو ما يعكس اتساع أجندة العمل النقابي في قطاع تتنوع فيه جنسيات العمال وتتداخل فيه قضايا العمل مع قضايا التدريب والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي،
ولا تبدو (رحلة نقابي) منفصلة عن هذا المسار، إذ تأتي لتجمع في كتاب واحد جزءاً من التجربة التي عاشها العمراني، وتقدمها للقارئ باعتبارها شهادة شخصية على مراحل من العمل النقابي الأردني.
وتبرز أهمية هذه الشهادة في أن تاريخ الحركة العمالية لا يقتصر على القوانين الناظمة للعمل أو على قرارات المؤسسات الرسمية، وإنما تشكله أيضاً تفاصيل الحياة النقابية اليومية، من تشكيل اللجان العمالية إلى المفاوضات مع أصحاب العمل، ومن المطالبات بتحسين الأجور إلى الدفاع عن شروط السلامة والحماية الاجتماعية، وصولاً إلى التعامل مع التحولات التي يشهدها سوق العمل.
وتكتسب المذكرات بعداً إضافياً من ارتباطه بقطاع الغزل والنسيج والألبسة، الذي شهد تحولات عميقة خلال العقود الماضية، خصوصاً مع توسع المناطق الصناعية المؤهلة وازدياد الاعتماد على العمالة الوافدة، الأمر الذي فرض على النقابات تطوير أدواتها وآليات حضورها داخل مواقع العمل.
وتكتسب ايضا قيمة خاصة لأنها تحفظ تفاصيل قد لا تظهر في الوثائق الرسمية، مثل طبيعة النقاشات التي دارت خلف طاولات التفاوض، والمواقف التي اتخذتها النقابات في أوقات مختلفة، والتحديات التي واجهتها، وكيف تعاملت مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي انعكست على العمال.
ومن هذه الزاوية، يمثل “رحلة نقابي” محاولة لإخراج جزء من الذاكرة النقابية من نطاق الذاكرة الشخصية إلى فضاء التوثيق المكتوب، بما يسمح للأجيال الجديدة من النقابيين والباحثين والمهتمين بتاريخ الحركة العمالية بالاطلاع على تجربة من داخل هذا القطاع.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الحاجة لتوثيق تاريخ الحركة العمالية الأردنية، خصوصاً أن جانباً من هذا التاريخ ما يزال محفوظاً في ذاكرة القيادات النقابية والعمال الذين عاصروا مراحل مختلفة منه، بينما تظل الوثائق والمذكرات الشخصية محدودة مقارنة بحجم التجربة الممتدة لعقود.
كما أن الكتاب يقدم، من خلال تجربة العمراني، صورة عن التحول الذي طرأ على مفهوم النقابة ودورها؛ فلم تعد القضايا العمالية محصورة في الأجور، بل أصبحت تشمل التدريب والتأهيل والسلامة المهنية والضمان الاجتماعي والحماية من التمييز وتحسين بيئة العمل وتعزيز الحوار بين أطراف الإنتاج.
وبين السيرة الشخصية والتاريخ النقابي، يضع العمراني في (رحلة نقابي) تجربة قابلة للقراءة من أكثر من زاوية؛ فهي من جهة مذكرات لرئيس نقابة يوثق مسيرته، ومن جهة ثانية شهادة على مرحلة من مراحل الحركة العمالية، ومن جهة ثالثة محاولة لحفظ ذاكرة قطاع صناعي كان ولا يزال جزءاً مهماً من سوق العمل الأردني.
ويفتح الكتاب، في الوقت نفسه، نقاشاً حول مسؤولية الحركة النقابية في توثيق تاريخها، وعدم ترك الكثير من التجارب والقصص رهينة الذاكرة الفردية، خصوصاً أن مرور الزمن يؤدي إلى فقدان تفاصيل مهمة من تاريخ المؤسسات والنقابات والعمال.
ولعل القيمة الأبرز في (رحلة نقابي) تكمن في أنه لا يقدم التاريخ من خارج الحركة العمالية، وإنما من داخلها، عبر تجربة رئيس نقابة اختار أن يسجل رحلته ويتركها وثيقة مكتوبة للأجيال المقبلة.
وبذلك، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره إضافة إلى التوثيق العمالي الأردني، ومحاولة لحفظ جزء من ذاكرة الحركة النقابية، ليس فقط من خلال ما تحقق من إنجازات، وإنما أيضاً من خلال التحديات والأسئلة التي رافقت مسيرتها، والتحولات التي فرضت على النقابات إعادة تعريف أدوارها وأدواتها.
فـ”رحلة نقابي” ليست مجرد مذكرات شخصية لرئيس نقابة، بقدر ما هي نافذة على عالم العمال والنقابات، وشهادة على مرحلة من تاريخ العمل العمالي الأردني، ومحاولة لتثبيت هذا التاريخ في كتاب يبقى متاحاً للباحثين والنقابيين والأجيال القادمة.

