تُعقد القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة بعد مرور ثلاثين عامًا على القمة التاريخية الأولى التي استضافتها كوبنهاغن عام 1995، بمشاركة الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف تعزيز التعاون الدولي من أجل تنمية اجتماعية شاملة.
الإعلان السياسي للدوحة
يُجدد الإعلان السياسي، الذي تم اعتماده خلال القمة، الالتزام القوي بإعلان كوبنهاغن لعام 1995 وأجندة 2030 للتنمية المستدامة. ويؤكد الإعلان على ثلاث أولويات مترابطة تمثل جوهر التنمية الاجتماعية:
• القضاء على الفقر،
• تحقيق العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع،
• تعزيز الإدماج الاجتماعي.
كما يشدد القادة على أن العدالة الاجتماعية والتنمية لا تنفصلان عن السلام والأمن وحقوق الإنسان.
أولويات العمال في الإعلان
يُعد الإعلان انتصارًا حاسمًا للعمال، إذ يتضمن التزامات قوية بأولويات الحركة النقابية مثل الأجور المعيشية والحماية الاجتماعية الشاملة، ويُرسخ مبادئ العمل اللائق في مختلف بنوده، بما في ذلك العمال الشباب.
كما يتضمن التزامًا صريحًا بـ“تعزيز مؤسسات سوق العمل والحوار الاجتماعي، من خلال احترام معايير العمل الدولية وحقوق العمال، وتشجيع وحماية الاستثمار في آليات الحوار الاجتماعي وحرية التنظيم والمفاوضة الجماعية”، مما يجعل منه أداة استراتيجية للدعوة إلى التنمية الاجتماعية القائمة على العدالة.
المساواة والإدماج
يمثل الإعلان أيضًا مكسبًا للمساواة والاندماج، حيث يتضمن التزامًا قويًا بتحقيق المساواة بين الجنسين في عالم العمل، انسجامًا مع إعلان بيجين +30، ويشدد على أهمية الاستثمار في اقتصاد الرعاية وحقوق العاملات في هذا القطاع، وضمان المساواة في الأجر عن العمل المتساوي في القيمة، والقضاء على العنف والتحرش القائمين على النوع الاجتماعي في أماكن العمل.
كما يعترف الإعلان بأهمية معايير العمل لجميع العمال، بمن فيهم العمال المهاجرون، ويتصدى بوضوح للآثار المدمرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب على العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي. ويؤكد على ضمان الحقوق للعمال في الوظائف الهشة والمهاجرين، بمن فيهم النساء العاملات المهاجرات، ويقرّ بالصلة الوثيقة بين الهجرة الدولية والتنمية الاجتماعية.
كما يخصص الإعلان فقرة لحماية حقوق العمال في ظل التحول الرقمي، بما يتماشى مع دعوة الاتحاد الدولي للنقابات إلى وضع معايير جديدة من قبل منظمة العمل الدولية بشأن عمال المنصات الرقمية.
التكامل بين العمليات الأممية
يقرّ الإعلان بأن هذه الالتزامات لا تأتي بمعزل عن غيرها، بل تنسجم مع العمليات الأخرى التي تقودها الأمم المتحدة وتؤكد ضرورة اتساق السياسات الدولية. ويرحب بالحزمة الطموحة من الإصلاحات الواردة في التزام إشبيلية لإصلاح النظام المالي الدولي، وبالهدف المتمثل في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية بنسبة 2% سنويًا، والمشاركة البناءة في اتفاقية الأمم المتحدة حول التعاون الضريبي الدولي، والعمل على إيجاد حلول عادلة وسريعة لأزمات الديون السيادية، وزيادة المساعدات الإنمائية الرسمية.
العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، وتعددية الأطراف
يُعتبر الإعلان أيضًا دعمًا قويًا لنضال العمال من أجل الديمقراطية، حيث يقرّ بالعلاقة الجوهرية بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، مؤكدًا أن “العدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها في غياب السلام والأمن أو في غياب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع”.
كما يشدد الإعلان على ضرورة تعزيز النظام المتعدد الأطراف ومؤسساته، وعلى رأسها الأمم المتحدة وميثاقها، بحيث يكون هذا النظام “ملائمًا للحاضر والمستقبل – فعالًا وقادرًا، عادلًا وديمقراطيًا ومنصفًا، يمثل عالم اليوم، شاملًا ومترابطًا ومستقرًا ماليًا.”
ورغم أن الإعلان يشير إلى الالتزامات المتعلقة باتفاق باريس وتغير المناخ ضمن سياق أهداف التنمية المستدامة، إلا أنه كان من المأمول أن يتضمن لغة أكثر وضوحًا بشأن الانتقال العادل للعمال وأسرهم.
الطريق إلى الأمام: متابعة قائمة على الحوار الاجتماعي
تُشكل طموحات الإعلان السياسي – بما في ذلك التزامه بتعددية الأطراف، والديمقراطية، والعمل اللائق، والحوار الاجتماعي – فرصة هامة للنقابات لمساءلة الحكومات وضمان وفائها بوعودها، مستندة إلى الدور المركزي للشركاء الاجتماعيين في المتابعة.
ومع أن الإعلان يتضمن إشارات إلى آليات المتابعة، إلا أنه لا يضع بعدُ عملية تنفيذ مفصلة، مما يستدعي من الحكومات والأمم المتحدة تطوير حوكمة شاملة وصلبة لتنفيذ ومتابعة التزامات الدوحة.
واختتم الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات، لوك تريانغل، بالقول:
“سيكون العام المقبل حاسمًا لإثبات تصميمنا على جعل إعلان الدوحة حقيقة واقعة. إن طموح النص يمثل فرصة حيوية لتعزيز ولاية الأمم المتحدة في مجال التنمية الاجتماعية، وضمان أن تتحول التنمية الاجتماعية إلى عدالة اجتماعية وحقوق وديمقراطية. العمال يجب أن يكونوا جزءًا من هذا المسار — وسنضمن ذلك.

